ألوان .. و كرّاسة عُمر

وأذكرُ فيما أذكر
أنني صباح كل خميس
أسرق من أبي ٥ ريالات
من بدلته العسكرية
بريالين كرّاسة و ريالين ألوان خشبية
من دكان جدي أحمد – رحمه الله
وكنت أعلم أن أبي سيغضب
فكنت بعد أن أرسم الشجرة والنهر والشمس بين جبلين ، أخبئ كراستي في تنور المخبز القديم!
وأبقى دائم التردد على ذاك التنور
حتى يحين موعد ال ٥ ريالات الأخرى.

وكما أن فرحتي كانت من داخل البدلة العسكرية، كان من الأجدى أن يكون العقاب منها أيضاً.
حتى لو كان حزاماً أسوداً غليظاً يسمى ب القايش 🙂

تركت الرسم منذ زمن!
لأنني كنت أؤمن أن الرسم فطرة
والشعر فطرة
والكتابة فطرة
والتصوير فطرة
والجمال فطرة
إلى أن تعلمت أن تلك الأشياء يمكن ألا تكون فطرة، بل من الممكن تعلمها وصناعتها!
انحناءات اليد، تمرير الفرشاة، اتجاه الألوان، نقاط التواصل، تدرج الألوان، تنسيق الأحجام، دراسة الضوء، الحدة، التنسيق، الهدف، المعنى …
لا شيئ اعتباطي!
لاشئ بلا عمل
لا شئ بلا أصول

فتركت الرسم، ظناً مني أن ذاك جمالٌ مزيف!

لم تطأ يدي كراسةً أو لون منذ تركت الرسم، وإن كان لزاماً علي أن أرسم، فلا أتعدى تلك الشجرة، والنهر، والشمس بين الجبلين!

كان يمكن أن أكون رساماً، لو اهتممت بذلك، أو كان هناك من يهتم لذلك،
لكنني كنت أتمنع من أي شيء يأتي من غير فطرة – كما أرى – أو من غير تدفق في الرغبة والشعور !
كنت أتمنع من كل شيء ذو حدود وتعاليم ومدارج ومناهج!
كنت أرفض كل ذلك، لكنني تفوقت إلى أن وصلت حد الشبع، حد الملل، وحد الإكتفاء.
فعند أول حفرةٍ وظيفيةٍ، دسست رأسي!
ربما لأسبابٍ مادية وربما لأسبابٍ لا أراها بعد.

ما أريد قوله:
كم من قناعاتٍ، سقطت عند أول هزة من هزات الطريق .
كم من أمورٍ كنا مضطرين لنسيانها!
كم من حيواتٍ سابقة، كانت طي الأدراج.
كم من ألوانٍ كنا مضطرين لتجاهلها، لسببٍ بسيط:
أن أمور الحياة أحياناً، تحتاج لوناً واحداً

يا لقسوة العيش …
تركنا بعضا منّا، لنعثر على الباقي!

محمد بهلول

الوسوم:, , , ,

About محمد بهلول

النّفَسْ الأخير في موتِ الأشياء ..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s